عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
257
اللباب في علوم الكتاب
السّحرة جاءوا ومعلمهم معهم « 1 » . وهذه الآية تدلّ على كثرة السّحرة في ذلك الزّمان ، وذلك يدلّ على صحّة قول المتكلّمين من أنه تعالى يجعل معجزة كل نبيّ من جنس ما كان غالبا على أهل ذلك الزمان ، فلما كان السّحر غالبا على أهل زمان موسى كانت معجزته من جنس السحر . ولما كان الطبّ غالبا على أهل زمان عيسى كانت معجزته من جنس الطبّ . ولما كانت الفصاحة غالبة على أهل زمان محمد صلّى اللّه عليه وسلّم كانت معجزته من جنس الفصاحة . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 113 ] وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ ( 113 ) وحذف ذكر الإرسال لعلم السّامع . وفي قوله : « إِنَّ لَنا لَأَجْراً » وجهان : أظهرهما : أنّها لا محلّ لها من الإعراب ؛ لأنّها استئناف جواب لسؤال مقدر ، ولذلك لم تعطف بالفاء على ما قبلها . قال الزمخشريّ « 2 » : فإن قلت : هلا قيل : « وجاء السّحرة فرعون فقالوا » . قلت : هو على تقدير سائل سأل : ما قالوا إذ جاءوه ؟ فأجيب بقوله قالوا : « أإن لنا لأجرا » وهذا قد سبقه إليه الواحديّ « 3 » إلّا أنه قال : « ولم يقل « فقالوا » لأنّ المعنى لما جاءوا قالوا » فلم يصحّ دخول الفاء على هذا الوجه . والوجه الثاني : أنّها في محلّ نصب على الحال من فاعل « جاءوا » قاله الحوفي . وقرأ نافع « 4 » وابن كثير وحفص عن عاصم « إنّ » بهمزة واحدة بكسر الألف على الخبر والباقون بهمزتين على الاستفهام . وهم على أصولهم من التحقيق والتسهيل وإدخال ألف بينهما وعدمه . فقراءة الحرميّين على الإخبار ، وجوّز الفارسيّ « 5 » أن تكون على نيّة الاستفهام يدلّ عليه قراءة الباقين . قال الواحديّ « 6 » : الاستفهام أحسن في هذا الموضع ؛ لأنّهم أرادوا أن يعلموا هل لهم أجر أم لا ، ولا يقطعون على أن لهم الأجر ، ويقوي ذلك إجماعهم في سورة « الشعراء » على الاستفهام .
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 20 ) عن ابن عباس وابن إسحاق والسدي . ( 2 ) ينظر : الكشاف 2 / 139 . ( 3 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 164 . ( 4 ) ينظر : السبعة 289 ، والحجة 4 / 64 ، وإعراب القراءات 1 / 200 ، وحجة القراءات 292 ، وإتحاف 2 / 58 . ( 5 ) ينظر : الحجة 4 / 65 . ( 6 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 163 .